إلى الرأي العام الديمقراطي!

نحن نمر بمرحلة تتفاقم فيها آثار الدمار البيئي يوماً بعد يوم. السبب في ذلك هو التغير المناخي، التلوث البيئي وفقدان التنوع البيولوجي كأهم القضايا البيئية العالمية. لقد أوصلت سياسات الاستغلال والسلطة، التي هي من صنع الإنسان، كوكبنا إلى حافة الانهيار. فالسياسات التي لا تراعي النظام البيئي الذي نحن جزء منه أدت إلى تلويث وتدمير مصادر حياتنا الأساسية مثل الماء والهواء والتربة. إن التقربات الأنانية والهرمية والخالية من الأخلاق تشن حرب إبادة ضد كوكبنا وبالتالي ضد الحياة ذاتها.

إن النظام الرأسمالي القائم على تراكم رأس المال، والذي يعتمد في جوهره على النزعة الصناعية، لا يكتفي باستغلال اليد العاملة البشرية بل يعتبر الطبيعة نفسها موضوعاً للاستغلال حتى النهاية. تُستنزف الموارد الطبيعية بوحشية، وتسمم المخلفات الصناعية الناتجة عن الإنتاج مياهنا وتربتنا وهواءنا. لا تكتفي الدول بتمهيد الطريق أمام الشركات لارتكاب ذلك، بل تُسهم أيضاً عبر الحروب (الإبادة البيئية) والأسلحة التي تنتجها وتستهلكها في فتح هذا الطريق.

اليوم، يُعد تدمير الغابات من أخطر القضايا البيئية التي تواجه العالم. كل عام يتم القضاء على ملايين الهكتارات من الغابات، وهذا يؤدي إلى سلسلة من المشاكل من تغيّر المناخ إلى فقدان التنوع البيولوجي. الأشجار والغابات ضرورية لتوازن النظام البيئي. ليس من قبيل الصدفة أن يُطلق عليها “رئة الكوكب”. فهي الركيزة الأساسية لتوازن الهواء والماء والتربة. إن اختفاء الغابات يؤدي إلى تغيّر المناخ، ويهدد التنوع البيولوجي، ويلحق الضرر بمياهنا وتربتنا.

وكما هو الحال في العالم أجمع، فإن المشاريع المطروحة في تركيا تحت مسميات مثل السدود الكهرومائية (HES)، محطات الطاقة الحرارية الأرضية (JES)، الطاقة الشمسية (GES)، “الطريق الأخضر”، والمناجم، ليست سوى اعتداء مباشر على الطبيعة. إن فقدان مصادر المياه، تدمير الغابات وفتحها للبناء، وصول التلوث الهوائي إلى مستويات تهدد الحياة، ترك المحاصيل غير المجدية اقتصادياً لتتلف في الأرض، تزايد الجفاف وملوحة التربة، كلها شواهد على الدمار البيئي. إن علاقات الإنتاج في النظام الرأسمالي هي السبب والنتيجة في آن واحد لهذه الكوارث البيئية.

اليوم، في كردستان وفي مختلف أنحاء تركيا، تتواصل عمليات التدمير البيئي على نطاق واسع. هذا ليس سوى نهب وإبادة. أما الحرائق التي تتزايد مع ارتفاع درجات الحرارة في الغرب التركي فناتجة في الغالب عن الإهمال والمصالح الربحية، في حين أن الحرائق وتدمير الغابات في كردستان تُمارس كجزء من سياسة الحرب الخاصة. فمنذ تهجير القرى في التسعينيات، استمرت هذه السياسات عبر مخططات تجريد كردستان من غاباتها. ما يحدث لم يعد مجرد “حرائق غابات”، بل هو مجزرة بيئية وتدمير متعمّد.

ما يجري في بلدنا ليس سوى نسخة محدثة من السياسات الفاشية العنصرية وسياسات النهب الحربي. إننا نرى بوضوح أن ما يحدث في كردستان يستهدف الطبيعة نفسها: أرضنا، أنظمتنا البيئية، هواءنا، ومياهنا. فالشجرة التي تُحرق ليست مجرد نبات، بل هي موطن لآلاف الطيور والحشرات والحيوانات البرية. تدمير الغابة لا يُعوض بسهولة؛ إذ قد يستغرق تعافيها عشرات السنين، بينما تتعرض بعض النظم البيئية لأضرار لا يمكن إصلاحها. الحرائق تؤدي إلى فقدان المواطن الطبيعية، وإلى تدمير مصادر رزق المجتمعات المعتمدة على الزراعة والرعي، بل وتُحرق معها الذكريات والتقاليد والروابط الاجتماعية.

هذا ما نسميه إبادة بيئية. إن الدولة التركية، التي تفرض على كردستان حالة “المناطق الأمنية الخاصة”، تعتبر عمليات تدمير الغابات حقاً مشروعاً لها. لكن هذه المجازر البيئية التي تُمارس برعاية الدولة أو بمباشرتها لا يمكن قبولها. الحرائق ليست نتيجة إهمال بسيط أو حرارة الطقس فقط، بل هي ممنهجة ومقصودة. لذلك، علينا أن نرفع من مستوى النضال المنظم ضد هذه البؤر الإجرامية. يجب فضح هذه السياسات القائمة على النهب الاستعمارية بصوت عالٍ، والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها.

علينا أن نعزز النضال المشترك والتضامن في كل أنحاء تركيا وكردستان، لحماية غاباتنا، مصادر مياهنا، مناجمنا، أراضينا وبساتين الزيتون. وحده الموقف الجماعي والمشترك لمختلف شرائح المجتمع، من الصغار إلى الكبار، قادر على إيقاف هذه الجرائم. يجب أن ندافع عن ميراثنا المشترك: الغابات، الأرض، الهواء، الماء والطاقة. إن لم نفعل، فستفنى حياتنا مع الطبيعة التي تُدمَّر.

لقد شهدنا في كثير من الأماكن مقاومة قيّمة من قبل المجموعات التطوعية، منظمات المجتمع المدني، السكان المحليين والنساء. من الجدير بالذكر مثال المرأة التسعينية التي سافرت من قريتها في موغلا إلى أنقرة للاحتجاج على قانون المناجم في البرلمان، وكذلك صرخة المرأة التي رفعت غصن الزيتون أمام مبنى البرلمان قائلة: “إذا انتهى هذا، انتهت الحياة.”

إن حرائق الغابات وتدميرها اليوم قد تحولت إلى قضية اجتماعية دائمة. لذلك نقول: ما يجري ليس مجرد كارثة طبيعية، بل نتيجة طبيعية للإهمال وسياسات الربح. لقد حان الوقت لوضع حد لهذه السياسات الظالمة التي تهدد البشر والحيوانات والأشجار معاً. خلال السنوات الخمس الماضية فقط، أُحرقت غابات بمساحة تعادل 55 ألف ملعب كرة قدم. إذا لم يكن هذا سبباً للنضال، فما الذي سيكون؟

لقد آن الأوان لتوحيد كلماتنا وغضبنا ورفضنا وتمردنا وأفعالنا في مواجهة هذه الهجمات اللاإنسانية التي تستهدف حياتنا ومستقبلنا. يجب ألا ننسى أن “أمنا الطبيعة” لها حدود لصبرها، وهي لا تنسى ما يُرتكب بحقها.

ونحن كنساء، علينا أن نكون في طليعة مواجهة هذا الاستغلال الوحشي للطبيعة. لذلك ندعو جميع البُنى النسائية والشرائح الاجتماعية إلى اعتبار حماية الطبيعة دفاعاً عن الحياة والمستقبل، ورفع مستوى النضال المشترك ضد هذه القوى القائمة على النهب الاستعمارية. كما ندعو شعبنا في كل مكان إلى تصعيد النضال الايكولوجي المشروع وعلى نطاق واسع ضد سياسات تدمير الغابات ونهب الطبيعة في كردستان.

KJK  منظومة المرأة الكردستانية