دعونا ننظم… دعونا نتشارك ضد الحرب والعنف والمجازر والاغتصاب

في الخامس والعشرين من نوفمبر، اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، نحيي ذكرى ضحايا العنف الذكوري المهيمن، بدءًا من الأخوات ميرابال اللواتي جسّدن المقاومة، مرورًا بروزا لوكسمبورغ، ساكينة جانسيز، ناكيهان، كولستان تارا، هيرو بهاء الدين، آسيا، سيفى، باكيزا، فاطمة، دنيز بويراز، أفين غوي، هفرين خلف، زلال حسكة، بلين، صالحة، نسرين أوميد، نارين غوران، وروجين كاباييش، مع الاحترام والحب والامتنان لهن. نعاهد بتتويج إرثهن النضالي وفرحة الحياة التي تركنها لنا بعالم يسوده السلام، قائم على الديمقراطية والحياة البيئية وحرية المرأة.

العنف هو واقع منظّم من قبل الذكورية المهيمنة ضد النساء في العديد من مجالات الحياة وفي أوقات مختلفة، مما يسبب جروحًا جسدية ونفسية كبيرة. تواجه النساء أقسى أشكال هذا العنف، على وجه الخصوص، العنف الجسدي والنفسي، الذي أصبح تدريجيًا أمرًا معتادًا عليه، غير ملحوظ في الحياة اليومية، دون التفرقة في العمر أو المكانة الاجتماعية أو الانتماء القومي والعرقي. قد تكون طفلة مثل سلا أو مثل نارين، وشابة مثل روجين، أو أم مثل طيبات إينان، وامرأة برلمانية مثل صالحة عكاش، وناشطة بيئية مثل آرفالو لوماس بعمر 89 عامًا من بيرو التي أرادت حماية الغابات، أو امرأة درزية مثل فوزية الشرعاني التي تصدت لفصائل جبهة تحرير الشام (النصرة سابقًا) لأجل حماية قريتها، ونساء أخريات في أماكن مختلفة. لا تكفي أي من هذه الهويات لحماية النساء من العنف المنظّم والتحرّش والاغتصاب.

بالرغم من تصاعد العنف يومًا بعد يوم في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن عام 2025 شهد تصاعدًا غير مسبوق للعنف في ظل الحروب والنزاعات في أرجاء المعمورة أجمع، من المجازر الدرزية والعلوية في سوريا، إلى الحرب المستمرة في غزة، حيث تعمّقت دوامة العنف عالميًا. وأعداد ضحايا العنف من النساء هي أكبر من أي عام مضى، حيث تشير الإحصائيات إلى مقتل نحو 86 ألف امرأة حول العالم، 52 ألف ضحية تعرضن للقتل من قبل أفراد العائلة والعلاقات المقرّبة، وهكذا أصبحت العائلة والمنزل – الذي يُفترض أن يكون ملاذًا – المكان الأكثر خطورة للنساء.

دراسة السياسات المطبقة حيال النساء في الدول القائمة كافية لتوضيح حقيقة واحدة، وهي أن العنف المنظّم ضد النساء سياسة دولية شاملة، من العراق حيث فُرِضَ التراجع عن مكاسب النساء بتعديل قوانين الأحوال الشخصية، وبعد انسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول انسحبت منها لاتفيا أيضًا. في أفغانستان صُمِّمَت المنازل بلا نوافذ لمنع النساء من رؤية النور، وفي إيران أُعدمت 800 امرأة، وتروج تركيا في الخطب الدينية بأن النساء اللواتي لا يلبسن اللباس الشرعي بلا إيمان، وتفرض قبول القوانين الشرعية في الميراث وما شابه. الدولة ذات الصبغة الذكورية تحتكر تفاصيل حياة المرأة: ما ترتديه، كيف تضحك، ماذا تأكل، مع من تعيش، ونسب الأطفال والإنجاب، وتقتل كل امرأة تتجاوز هذه الحدود. فالنساء لا يسقطن من الشرفات ولا ينتحرن، إن خلف الأكاذيب عن الانتحار يقبع عنف ذكوري مقنّع، وحقيقة أن العديد من البلدان لا تزال غير واضحة في تعريف مفهوم الاغتصاب والعنف، تشجع كذلك على العنف القائم على النوع الاجتماعي. قد يشيرون ويحاكمون زمرة من الرجال الذين أقدموا على الجرائم، إلا أنه من الضروري أن نرى أن هناك عقلًا وسياسة دولة وراء هذه الملفات. نحن نعلم أن العنف ضد المرأة يحدث بعقل الدولة التي تهيمن عليها الذكورية، وجوهر يوم 25 نوفمبر هو الوقوف ضد هذا العنف المدعوم من قبل الدولة.

لنقل كفى لسياسة الحرب والهجمات بشعار “المرأة – الحياة – الحرية”

رؤية ما وراء الواقع وإيجاد الحل يتطلبان تثبيت الموقع الصحيح للقضية، ومن الضروري إدراك أن الجذر الخفي للأزمات في مختلف مجالات الحياة، من البيئة والاقتصاد إلى الصحة والتعليم، هو العنف الموجّه ضد المرأة. أشار القائد عبد الله أوجلان في مانيفستو الحرية والمجتمع الديمقراطي إلى أن السبب الجذري لقضية عبودية المرأة هو القاتل المتعمِّد، ويكشف عن ضرورة البدء بالحل من المكان الذي بدأت فيه القضية.

يحقق الذكر (القاتل المتعمّد) أرباحه منذ العصور الغابرة، بالحجر السج في العصر الحجري، وبالسيوف في العصور الوسطى، وبالصناعة في اليوم الراهن، بعبارة أخرى يغيّر من أقنعته في كل عصر، لكنه يعيش بيننا كنفس قاتلة. أحيانًا يظهر نفسه لنا على هيئة وجه ملتحٍ يمتشق السيف، وأحيانًا ببدلة وربطة عنق، أو زعيم عصابة منظّمة، وأحيانًا كرئيس دولة؛ لهذا السبب فإن العلاقات المجتمعية النسائية بعضها ببعض لابد أن تتطور دون الانتظار والأمل من الدولة، فالدولة هي المفتعل الرئيسي للعنف. إن الأمر الذي يبقي النساء على قيد الحياة ويحميهن هو قوة تنظيمهن وتماسكهن الاجتماعي (الحياة الكومينالية). فلنقف سوية ضد النظام الذي أجّج الحروب كأعتى أشكال العنف ضد النساء بشعار “المرأة –الحياة –الحرية” (Jin- Jiyan – azadî).

هذه الحروب ليست حروبنا

الحروب هي أكثر أشكال العنف كثافة، تُدار يوميًا من قبل النظام الرأسمالي والدول القومية. ففي تركيا ورغم محاولات القائد عبد الله أوجلان في بناء السلام والحياة الكريمة، نشهد جوع الأطفال، فطفل واحد من كل أربعة أطفال يذهب إلى المدرسة وهو جائع (لا يستطيع إيجاد لقمة تسد جوعه)، وتضطر الأمهات لجمع الطعام من القمامة لإشباع بطون أطفالهن. بينما تُخصَّص ميزانيات ضخمة للحرب من قبل حكومة (حزب العدالة والتنمية) في تركيا بدلًا من التعليم والصحة. أيضًا في غزة، فقد آلاف النساء والأطفال حياتهم، وتعرضت الناجيات للتحرش الجنسي من قبل رجال عاملين في المنظمات الإغاثية مستغلين وضعهن التعيس. في كينيا، تُغتصب النساء أثناء بحثهن عن الماء والغذاء. وفي أبيا يالا، رغم الزعم أنه لا توجد حروب فيها، إلا أنها تتعرض لمعاناة لا تقل عن معاناة الحروب. في كل مكان، تستهدف السلطة الذكورية وجود النساء وكدحهن وحاجاتهن، وما زالت الفواجع مستمرة بحق الشعوب المضطهدة والنساء والأطفال. بمعنى آخر، الوقوف في وجه الحروب يعني حماية وجودنا النسائي وكدحنا وأطفالنا وحماية بيئتنا، حماية الهواء والماء والمستقبل. وكما يقول الشعب في السودان المعرّض للتهجير والقتل: “أيًا كان الطرف الذي سيكسب الحرب، نحن الخاسرون فالحرب ليست حربنا”.

إن المشاركة في عملية “السلام والمجتمع الديمقراطي” التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان وتعزيزها وتنظيمها، هي السبيل لمواجهة الأزمات في الشرق الأوسط والعالم، وعلى وجه الخصوص في كردستان وتركيا، وستمنع أسباب انتعاش سماسرة الحروب والمرتزقة والعصابات المتطفلة على اندلاع الحروب. الحل لهذه الأزمات هو بناء النموذج الديمقراطي والإيكولوجي والتحرر النسائي، لتحقيق العدالة والمساواة.

لنتصدى لقتل النساء جسداً وروحاً باسم العشق

تتعرض النساء للاستغلال والإذلال والقتل على يد رجال يزعمون أنهم يعشقونهن. علينا كنساء أن نكشف زيف هذه الأكاذيب ونتصدى للجرائم والابتزاز المبني على أجساد وأرواح النساء. ومن الأهمية بمكان تحديد السياسة الصحيحة للتصدي للعنف الجسدي والنفسي وأهمية بناء علاقات بين الجنسين بمعايير متينة، وكتابة توجيهات شاملة عن كيفية حماية النفس. لنعلم أن الرجل الذي يريد إسقاطنا لا يستحق حتى إلقاء التحية منا، ولابد من وضع شروط ومقاييس العلاقة المطلوبة من الرجل استنادًا إلى كيفية منع العنف الجسدي والعاطفي على حد سواء، والسعي لإملاء تلك الشروط – في كل الأزمنة والظروف – على النظام الذكوري المهيمن. في الحقيقة، الرجل الذي لا يعرف كيف يتحدث مع امرأة ولا يعرف العيش معها لا يمكن أن يكون اشتراكيًا، ويؤكد أن مقياس كونك إنسانًا هو النهج الذي تتبعه تجاه المرأة. ثم يجب أن نجيب عن السؤال: مَن مِنَ الرجال يمكننا عقد الصداقة معه، أو إلقاء التحية، أو الابتعاد عنه؟ ويجب أن نجذب الرجل للالتزام بالمعايير، ومنع القتل وإسقاط المرأة في الهاوية باسم العشق.

دعونا نقف في وجه المنظومة الذكورية المهيمنة بالتنظيم تحت شعار ” إحياء المجتمعية” ولننزل إلى الساحات

يهجم النظام الذكوري المهيمن على التنظيمات والتجمعات النسائية، لأن التنظيم يعني الدفاع عن النفس وحماية المجتمع؛ لهذا السبب لا ينبغي ترك أي امرأة غير منظمة ووحيدة. فلابد من تنظيم النساء في الحرم الجامعي وأماكن العمل والحقول والأحياء والقرى. من الضروري مشاركة النساء في الكومين (الوحدات التشاركية) لتعبر عن نفسها وتحمي نفسها، وهي الخلية الجذعية لبناء مجتمع تسوده الحرية والمساواة بمعايير ديمقراطية. يجب أن تكون المرأة قادرة على تحويل كل منزل ومراكز المطالعة والكتابة وأماكن اللقاءات ومساحات النقاشات المتداولة وساحات الرياضة، ودور الفن ومراكز الأعمال الاقتصادية والبيئية والثقافية إلى أماكن للتجمعات النسائية، بحيث يتحول كل بيت وكل مركز إلى كومين (وحدة مجتمعية) لمناقشة معايير الرجل أو الأب أو الصديق الذي تود الارتباط به، ومقاييس اقتراب الرجل منها، فالنساء بحاجة إلى مناقشة حاجاتهن وبناء حياة بديلة قائمة على التضامن النسائي.

سعى النظام المهيمن عليه الذكور إلى كسر الروابط التاريخية القوية بين النساء وعزل بعضهن عن بعض من خلال الكذبة القائلة: “إن امرأتين لا يمكنهما أن تجتمعا معًا”، ويهاجم النساء المنعزلات ويعرضهن للعنف. حينئذ لا يمكننا التغلب على هذه المساعي إلا من خلال التنظيم النسائي المشترك وتطوير الحياة البديلة.

 

في 25 نوفمبر ندعو إلى:

تعزيز أنشطة التوعية والتدريب والتعليم على مستوى التعبئة.

دعونا نملأ الشوارع والساحات بنضالنا ضد العنف! ومع ذلك، دعونا نصل إلى النساء والفتيات الشابات وكل فرد من أفراد المجتمع في الأحياء والمدارس والجامعات وأماكن العمل والقرى، اللواتي يرين العنف فقط في بعده المادي (الجسدي) ولا يمكنهن تحديد العنف الاقتصادي والنفسي والبيئي الذي يتعرضن له؛ لهذا، لنجعلهم على دراية أعمق بالمشكلة، دعونا نخلق الوعي والتنظيم.

يجب أن نوضح للرجال أن مشكلة العنف هي مشكلة الهيمنة الذكورية، وأكثر القضايا إثارة للجدل، وبالتالي علينا توعية وتثقيف الرجال وتغييرهم عبر الندوات وحلقات النقاش عن الرجل الاشتراكي والمرأة الاشتراكية والعائلة الاشتراكية، وعن الحياة التشاركية الحرة والعلاقات القائمة على الاحترام والمساواة.

على هذا الأساس، بصفتنا منظومة النساء الكردستانيات KJK)) ندعو جميع نساء العالم، وخاصة النساء في كردستان والشرق الأوسط، إلى فضح عنف الدولة الذكورية في فعاليات 25 نوفمبر، والتعبئة لزيادة الأنشطة التنظيمية والتعليمية والتوعية.

تمامًا كما تقول نساء أفغانستان: “بقدر الظلام الدامس سيكون النور على النساء أكثر سطوعًا، أظهرت المقاومة النسائية أنه يمكن هزيمة العدو ليس فقط في روج آفا ولكن أيضًا في أفغانستان”. مرة أخرى أثبتت المقاومة أنه عندما تقف النساء جنبًا إلى جنب، لا توجد عقبة لا يمكن تدميرها، ولا توجد صعوبة لا يمكن التغلب عليها. فلنتكاتف لأجل بناء حياة حرة كريمة، دعونا ننظم أنفسنا في كل مكان ضد العنف، رافعين شعار “الكومونة تبني الحياة”.