ستلعب حرية المرأة دور المساواة والتوازن في تشكل الحضارة الجديدة

15

القائد آبو

استيعاب المرأة المتحررة، يعني استيعاب التاريخ والمجتمع والحياة من جديد. لذا، فإخراج المرأة من كونها مادة سلعية مغالى فيها ضمن الرأسمالية والرجعية الإقطاعية الدينية، هو أحد أهم الوظائف. هذا إلى جانب المهمة الأساسية في التخلص من أخلاق وزواج الرجل الحاكم المشحون بأحكام القيم المهيمنة للإقطاعية والرأسمالية.

فالمرأة ملزمة بتأدية دورها مع حقيقة حزبها والتحولات إلى ثلاثية الإلهة ـ الملاك ـ أفروديت ” ذات الألفاظ المثيولوجية، والتي ذكرتها في تقييماتي الأخيرة، إنما تفيد في فحواها بالتمرد على ثقافة الرجولة المهيمنة على مر خمس ألاف سنة. ذلك أن تلك الثقافة أسقطت المرأة في وضعية مروعة. فالزواج المتضمن للملكية هو احد أفظع المخاطر. وبدون تحقيق حرية المرأة، لا يمكننا تطوير أي جانب من جوانب ساحة الحياة الحرة ذات المعاني السامية والقيمة، والتي تستحق العيش فيها. يتطلب الأمر صراع المرأة العظيم، الذي لا يمكن أن تتطور الوطنية والمساواة بدونه. والعشق ـ على عكس ما يظن ـ يتطلب نظرية سوسيولوجية بممارسته العملية التامة. ولا يمكن إنزاله إلى مستوى عواطف بسيطة لأي فردين. فالعشق يستلزم البسالة الجليلة، والحب الكبير، والنجاح الفائق. من لا نجاح له، لا عشق له. ووجه العشق متجها دائماً نحو حرب الحرية المظفرة.بالإمكان تعريف كدح العشق الذي هرعت وراءه على هذا النحو.

كلنا نعرف بالطبع أن الأفراد يتكونون من جنسين اثنين، ولكننا في ساحة الحرب. ولأن ” الفاتحين ” سلبوا كل ما هو لنا، فلا توجد نساء لدينا يمكننا القول بأنهن “نساؤنا”. والنساء الموجودات هن نساء “أشياء ” سلعية ذوات نوعية بخسة. وإقامة مناضلي الحرية علاقة مع هؤلاء النساء أمر يناقض جوهر الموضوع. أما علاقة المرأة الطامحة إلى الحرية والمناضلة لأجلها مع رجال من هذا النوع فهو أكثر تضادً. المهم أصلاً هو مواصلة الذات عبر الأفكار والآراء المطروحة، منذ عهد أفلاطون. في حين إن مواصلة الوجود الجسدي فحسب تعتمد على الغرائز الجنسية الفطرية. وأنا أدرك ماهية الغرائز الجنسية الفطرية فهي الساحة الوحيدة المتروكة لشعبنا لمواصلة ذاته. وهي الآن باتت البلاء الأشد على رأسه.

الظاهرة المعاشة لدينا هي ظاهرة تاريخية بالأهم. وما اقترحته من مصطلح “تمثيل الإلهة ـ الملاك ـ أفروديت ” لأجل مجموعة من رفيقاتنا، إنما هو بغرض محاربة الثقافة الاستعبادية الفظيعة، التي يطبقها الشرق الأوسط على المرأة. ثمة حاجة ماسة لنساء أصيلات من ذلك النوع في هذه المرحلة من التاريخ. مع أن المئات من الرفيقات برهن هذه الحقيقة، باستشهادهن بمواقف بطولية باسلة جداً. وذكراهن تتضمن معاني جد عظيمة. وأنا على قناعة بوجود الكثير من نسائنا الباسلات، الآن أيضاً. وشخصياتهن المفعمة بالجسارة والجرأة والعدالة والعشق العظيم، تبرز حديثاً إلى الميدان.

إن التطور الهام الآخر الذي يعتبر من أولى التطورات في المجتمع السومري، هو المستوى الذي وصل إليه فرق الجنس. وكانت المرأة هي القوة الإنتاجية الحاكمة في العصر النيوليثي الذي كان السومريون يقفون إلى جانبه. إن الزراعة واستئناس الحيوانات هي من نتاج المرأة. وتحمل الثورة القروية أي نظام العيش المستقر بصمات المرأة كونها تتناسب مع طبيعتها. وتعتبر صناعة الفخار والنسيج وطحن الحبوب من الأعمال النسوية، وتتجمع الأسرة حول المرأة، وكان النسب يحدد حسب المرأة. وكان النظام الأمومي هو الحاكم ويجد تعبيره الإيديولوجي في المعتقدات الدينية المعتمدة على الآلهة التي تتمثل بالنجوم والقمر. إن الفروقات بين الجنسين والتي تتطور بشكل متوازن مع الفروقات الطبقية الموجودة في المجتمع السومري، تجد تعبيرها في المثيولوجيا بشكل مكثف. وهذه الانعكاسات بين الفروقات الموقعية تصبح مذهلة هنا.

لقد بدأ موقع الإلهة المسيطرة يضعف؛ إذ تلقت ضربة مميتة في مرحلة بابل بشخصية “تيامات”tiamat . وكـان الابـن الأصـغر “مردوخ” marduk يمثل ثقافة الذكور التي كانت تتجه بسرعة إلى الإله الواحد. وسيعتبرها النبي إبراهيم أساساً فيما بعد وسيلعب دور جد الأنبياء لتوحيد الإله. والمرأة التي تمتعت في المعابد بتأثير الكهنة بشكل يوازي تأثير الرجال. انتقلت إلى الدرجة الثانية في البيت. ويعتبر أول بيت دعارة تحت اسم “مثقديم” musakatdim من اختراع السومريين. لم يتراجع موقع المرأة إلى الدرجة التي انحدر إليها في الموجة الثانية للحضارة. ونرى في الميثولوجيا السومرية موقعاً يقارب الوفاق.

ظهور بنية ديالكتيكية بدائية. إن تضاد السماء هو الأرض، وتمثلاًن المبدأ الأنثوي والذكوري في نفس الوقت. ويطلق على السماء أسم ” أن EN ، وعلى الأرض “كي” ki. إن ” أنكي” Enki هو نمط الاتحاد الأنثوي والذكوري، ويدرك بأنه في اتفاق مع الإلهة، وهو بموقع الجد لمفهوم الأب، ويتزوج من جميع الإلهات، ويمهد السبيل لولادات ذات خصائص مميزة، وتلقت الإلهة الأم “تيامات” ضربة قاصمة ـ ملحمة خلق بابل (( أنوما أليش )) في هذا الموضوع والتي تملك خاصية تعليمية ـ من قبل المولود الأخير إله بابل (( مردوخ ))، ويتم إبعادها عن مجلس الآلهة، وهكذا تراجعت كثيراً عبادة الإلهة والمقولة الميثولوجية التي تعبر عنها منذ الألفية الثانية قبل الميلاد. ويرتبط هذا التطور عن قرب بانحدار مكانة المرأة من موقعها الاجتماعي، ويتوطد مبدأ السيادة الذكورية هيمنته في بنية المجتمع والدولة. لقد شهد المجتمع تحولاً إيديولوجياً وأخلاقياً كبيراً بعد اكتساب الميثولوجيا نمط الدين الإلهي الذكوري الموحد ابتداء من مؤسسة الدولة العليا حتى الوحدات الدنيا من السلطة الملكية، وكان الملك هو الإله نفسه أو ممثلاً مباشراً للإله، وتحولت علاقة العبيد بالسيد إلى علاقة العبيد بالإله. وأسفر تحول الفكر الميثولوجي إلى حالة الإيمان أي ” الدين ” والقانون أي “الحقوق ” الأساسية، عن تطور تاريخي واجتماعي والذي سيخلق نتائج هامة، إن المعابد السومرية وأدوبا Edduba أي الأكاديميات الثقافية هي من أكثر المؤسسات التي حازت على التفكير من أجل مواصلة وتطوير سلطة الملوك ـ الكهنة.

كان الدين بوضعه اللاهوتي من جهة والمشاريع التي كانت على شكل ملاحم أدبية من جهة أخرى، هي المهمات الأساسية لمفكري وأدباء الكهنة في تكوين الميثولوجيا، وكانت مدينة نيبور المقدسة “Nippur“ التي أطلق عليها اسم بابل، مركزاً للثقافة والدين والآداب لتلك الأعمال، واستمر لآلاف السنين .

لقد زالت تماماً ثقافة المرأة والآلهة بسبب طابع النظام “نظام الرق المهيمن” من جهة، وبنية القبيلة البطريركية من جهة أخرى. وقد تأكدت هذه النقطة خاصة بعد إزالة السومريين من الساحة السياسية من قبل العموريين، وولادة مرحلة الإمبراطورية البابلية، وإن أسطورة الخلق البابلية “انوما إليش”، تعد التعبير الصارخ عن ذلك، واعتباراً من النبي إبراهيم، كان كل الأنبياء ذكوراً ولا وجود للمرأة في أنظمتهم، وقد قربت مكانة المرأة من مكانة الشيطان. إن تأثير كل من بابل على النبي إبراهيم ومصر على النبي موسى، له دوراً مؤثراً في موضوع إبعاد المرأة، فقد بدأت المرأة تفقد مكانتها باستمرار بعد أعوام 2000 ق.م. ضمن التطور الاجتماعي وبالأحرى ضمن المرحلة الحضارية، فلقد بدأ التمييز بين الجنسين متزامناً مع الفرز الطبقي العام. تحولت الحالة البريئة للمسيحية في البداية إلى عالم لاهوتي تحت تأثير الفلسفة الإغريقية ولاسيما فلسفة أفلاطون، وسيؤدي مفهوم الثالوث الإلهي إلى عدة تفسيرات وتحليلات نجد صداها في الميثولوجيا السومرية. إن مشاهدة الأب ـ الرب والأم الربة ـ والابن ـ الرب الأقوى في ميثولوجيا أنكي ماردوخ بابل هي مسألة أساسية ذات صلة، كما يكمن وراء ذلك ثالوث أقدم؛ الجد والحفيد الذي يمثل الإرث والمرحلة والابن.

لقد طور هيغل تفسيراً فلسفياً معاصراً، أعتمد على مبدأٍ الطرح والطرح المضاد ـ التركيبة يعبر عن القاعدة الديالكتيكية وللقانون الأساسي لنشوء الكون. وفي الحقيقة فإن هذا القانون يجري حكمه في جميع تكوينات الطبيعة، أما الثنائية الموجودة لدى زرادشت فهي الشكل الأدبي لهذه النظرة، ففي زرادشت لم تصل ثنائية الطرح والطرح المضاد إلى تركيبة جديدة، وسيتم تطوير ذلك في الفلسفة الإغريقية عن طريق هرقليطس، وستصل إلى معناها الأكثر عصرية مع هيغل.

إن الدور الذي منح لمريم الأم في المسيحية فيما بعد ملفت للنظر، لقد ابتعدت مريم كثيراً عن الأم ـ الربة إنانة وستار. وقد لعب تلقي الربة ـ الأم تيامات الضربة القاتلة في عهد ماردوخ في الملحمة البابلية، وسجنها في البيت في عهد موسى حيث زالت آثارها بعد ذلك من التاريخ تماماً، دوراً مهماً.

ترتبط هذه المرحلة لدرجة كبيرة بتناقض القواعد الصلبة للمجتمع الذكري المعتمد على الرجل الذي كان في الإرث السامي، مع القواعد الأمومة لثقافة عشتار التي كانت ربة الزراعة والجبل في العصر النيوليثي “بنفس مرتبة إنانة وستار”، وتم تجاوز البقايا الأخيرة لثقل الربة بالثقافة السومرية في المرحلة البابلية، وبعد هذه المرحلة فان الربة القديمة أصبحت المرأة العفيفة والمطيعة في بيتها، فناهيك عن مساواتها مع الآلهة أصبحت لا تستطيع إسماع صوتها ولا حتى الكشف عن وجهها. لفت بالعباءة وأصبحت سجينة وغدت الحرم المطلق للرجل القوي، لقد طوّر موسى ذلك في إرث إبراهيم أكثر، وعمق عبودية المرأة في الجزيرة العربية يرتبط بهذا التطور التاريخي.

إن مريم أم عيسى هي ربة في أقدم نمط، للإرث..؟. لكن فقدان المرأة لموقعها بشكل مستمر وصل في مرحلة ولادة عيسى إلى أن تكون وسيلة للإنجاب فقط، وهكذا كانت الأوضاع عموماً، إن تاريخ المرأة ما بين 2000 ق.م ـ 2000م. هو تاريخ لأدنى طبقة اجتماعية وتحول لصالح الرجل إلى سلطة سياسية باستخدام الاستغلال والعنف والتحايل، وأصبحت المرأة تحت حكم العبودية بسبب الخاصية الجنسية، إلى جانب عبودية الرجل، أي أنها تعرضت لعبودية مضاعفة، فبعد أن كانت الربة الأم تيامات تحارب نداً للند في مرحلة بابل، حتى أنه في مرحلة موسى عاش اشتباكاً شديداً مع قريبته ماريام التي لم تخضع لموسى بسهولة.

أما بالنسبة لمريم أم عيسى فلا يوجد لها أية فاعلية. لقد نفخ الرب فيها، وهي أنجبت، وهذا يعني السيادة المطلقة للرجل، فالنفخ يرمز إلى هيمنة الذكر والى أن دور المرأة لم يتجاوز تنشئة الطفل في أحضانها. أما المسألة الأخرى الهامة فهي انه ما أطلق على النفخ المذكور اسم الروح القدس من أجل تحريف القوة الإلهية التي يجب أن تتمثل بالمرأة، لقد سرق ذلك النفخ من قبل المرأة بشخص مريم. ونرى نفس الأثر عند السومريين لدى الأم الربة، وفي الحقيقة توجد أهمية إيديولوجية كبيرة لهذا الموقع، وهذه الأهمية ذات دور وتحديداً في فقدان المرأة لفعاليتها التي ستزول بشكل كبير في المرحلة الإقطاعية. ومنذ ذلك اليوم بقيت المريمات ممسوخات يبكين أطفالهن في صمت مرتبطات بأزواجهن وكأنهن أسيرات إلى الأبد. وليس لهذا الوضع أية علاقة بطبيعة المرأة إطلاقاً، مثلما لها علاقة بالهيمنة السياسية الكبيرة للرجل. فإذا كانت الأمهات الربات حاكمات مهيمنات في إحدى المراحل فإن هيمنة الآلهة الرجال أصبحت مسيطرة في الدولة الطبقية في التاريخ، إن هذا الواقع الذي ترك في ظلمات التاريخ وتمت تغطيته بمفهوم الشرف والكرامة بطريقة مزدوجة من قبل الرجل.

المرأة هي موضوع استغلال وضغط شديدين كأدنى وأقدم طبقة، لذا فإن قضية المرأة التي يتم فتح الطريق أمامها مجدداً، هي موضوع شامل لا يمكن استيعابه في محيط المجتمع الرأسمالي. فحرية المرأة التي تعتبر مقياساً عاماً لجميع الحريات، لازلت في طور الاستعداد لخطو خطواتها الأولى، فالانتقال من عصر المرأة إلى عصر الرجل ألحق خسارة كبيرة بالمرأة، وخلال هذا التاريخ الطبقي الممتد لخمسة آلاف سنة ألحقت بالمرأة أكبر الخسائر، وتعرضت للضغوطات من جوانب عدة واحتقار وتمييز جنسي ولامساواة في كل المجالات، لكنه ومن جديد تبذل المساعي لانتشالها من تحت الرماد حيث كانت على وشك الاحتراق، ففي الوقت الذي يجب أن يتم الاعتراف فيه بجميع الحقوق الفردية للمرأة وتناولها في الصدارة دون قيد أو شرط، فإن وضع ذلك في آخر جدول الأعمال وبشكل محدود، له علاقة بالبعد التاريخي العميق للظلم، والقضية هامة إلى درجة يمكن أن تكون فرعاً من علم الاجتماع، وتتطلب جهوداً طويلة الأمد في النضال القانوني والسياسي الديمقراطي المنظم والمخطط والمبرمج والشامل، وتكتسب أهمية مصيرية كقضية أكثر أصالة من حيث النمط والجوهر مقارنة بالنضال الوطني والطبقي.

في يومنا هذا لم يتم سوى وضع اسم المشكلة دون تحديد مضمونها تماماً، ومازال برنامجها واستراتيجيتها ونمط تنظيمها وعملياتها، بعيد عن أن يكون هذا الموضوع موجوداً بشكل كامل على جدول الأعمال، وكما بدأ التاريخ، كتاريخ الكذب والحرب والاستغلال على أساس عبودية جنس المرأة في حضارة المجتمع الطبقي، سيتم خلقه وكتابته من جديد كتاريخ الاستقامة والسلام والمساواة والحرية بعد تحقيق النجاح في نضال المرأة التحرري، وتبين جميع الدلائل أن حرية المرأة ستلعب دوراً مصيرياً في فجر الحضارة الجديدة، ويمكن عيش عصر المرأة الحرة في أعلى مستوى مرة أخرى.

ستلعب حرية المرأة الدور الهام في المساواة والتوازن لقيام الحضارة الجديدة. وستأخذ المرأة التي همشت في التاريخ منذ تفسخ المجتمع النيوليثي، موقعها ضمن شروط الحرية والمساواة، وإعادة الاحترام لها، ولأجل ذلك سيتم إنجاز كافة الأعمال النظرية والبرامجية والتنظيمية والتطبيقية. إن قضية المرأة عبارة عن موضوع مجسد، ويمكن تحليلها أكثر من مصطلحي طبقة البروليتاريا والأمم المسحوقة، اللتان تم الحديث عنهما بكثير في زمن ما. ويمكن القول: بأنه سيتم تحديد التحول الجذري في المجتمع من خلال التحول الذي ستحققه المرأة. كما إن مساواة وحرية المجتمع بكافة فئاته وشرائحه تتناسب طرداُ مع مساواة وحرية المرأة. وسيلعب التحول الديمقراطي للمرأة دوراً بارزاً في ترسيخ ديمومة الديمقراطية والعلمانية. يبين هذا التعريف البرنامجي المختصر المتعلق بظاهرة المرأة، أن الحركات الاجتماعية الجديدة ستعيش وضعاً مميزاً بإضفاء لون المرأة عليها.

إن تحول دمقرطة المجتمع إلى أطروحة مضادة في الشرق الأوسط سيتحقق بفضل المرأة والشبيبة على الأغلب، حيث تعتبر يقظة المرأة واتخاذها مكانة في الساحة التاريخية كقوة طليعية للمجتمع، بمثابة الأطروحة المضادة، فعالم المرأة ووعيها ووجدانها وحبها وحمايتها لكل ذلك مرشح لخلق قيم حضارية مميزة، كما إن تطور الحضارة تحت سيادة الرجل كمطلب لطابعه الطبقي جعلها بموقع الأطروحة المضادة القوية بهذا الاتجاه، إن تجاوز التمايزات الطبقية للمجتمع والقضاء على فوقية الرجل هي بمثابة تركيبة أكثر من كونها أطروحة مضادة، لذلك يحمل الموقع الطليعي للمرأة في تحول مجتمع الشرق الأوسط إلى مجتمع ديمقراطي، خصائص تاريخية لموقع الأطروحة المضادة (وهي ناتجة من شرق اوسطيتها) في العالم والتركيبة أيضاً.

تاريخ شعوب الشرق الأوسط يشبه تاريخ المرأة نوعاً ما، وكما قلنا سابقاً فإن المرأة قد سحقت وأخرجت عن المسار منذ العصر النيوليثي. في النتيجة فإن تحقيق عبودية الإنسان وجنس المرأة في معابد الكهنة وقصور الملوك في المجتمع السومري قد اكتسب نصراً كاختراع أساسي لتاريخ الحضارة كنقطة بداية، وسيأتي دور استخدام جنس المرأة كإحدى أدوات السقوط الأساسية في مواصلة النظام، وكأنه لم يكتفِ بخفض شأنها، بل إسقاطها، وستلعب الفتيات اللواتي تم اختيارهن للمعابد وسيجري تدريبهن، للدور الأكثر تأثيراً في اصطياد رجال النظام، وبذلك يدخل المجتمع تحت سلطة المعابد، ويتم إسقاطه من قبل اللواتي تم إسقاطهن، وهكذا تم تنظيم أرذل مؤامرة، ولأول مرة يقدم تحويل الجنسين إلى كلاب للمعبد قوة عظيمة للنظام، وانتقل هذا النظام من المعابد إلى أول بيوت الدعارة، ونرى أن أول بيت دعارة في التاريخ تم إنشاؤه في مدينة “نبور” المشهورة كمركز ثقافي وعقائدي، ولعبت بيوت الدعارة التي تسمى “بالمستقطيم” دور المستنقع الذي تم تلويث كل المجتمع به، وسيتمسك المجتمع بهذا المستنقع وبالجنس الذي تم إسقاطه، والمجتمع العبودي، بحيث لا يستطيع الخروج منه أبداً، وتنطلق هنا مقولة الشاعر عن الكمين الذي قال فيه” لم يتخلص رأسي من الكارثة بعدها”، لقد تم الانتقام من الربة والإنسان الطبيعي الحر، بينما تحول أسياد المجمع الحاكم إلى آلهة، وتم خنق عبيدهم في المعبد أولاً، ومن ثم في بيوت الدعارة، أي في المستنقع الذي لن يستطيعوا التخلص منه، وسيواصل تاريخ الحضارة نفسه كتطور لهاتين المؤسستين، وستتحول معابد الكهنة إلى كنيسة ومعبد يهودي وجامع وما إلى ذلك، وستتحول بيوت الدعارة إلى بيوت خاصة وبيوت عامة وبيت الأسرة وبيت القرويين وبيوت المدينة لتتفرق وتستمر.

والمرأة ناقصة في نظر رب العصور الوسطى، وتم تخفيض مستواها إلى وضع لتصبح ممسوخة وملحقة خاضعة للرجل، وتم إيصال عبودية الجنس إلى أشكال لا معنى لها، فالمرأة أصبحت عبارة عن هدية يتم تقديمها للرجل، ويمكن أخذها واستخدامها عند الرغبة ليس كإنسان بل كسلعة يمكن النيل منها حسب الرغبة، وكأن الأديان الأخرى في العصور الوسطى قد تسابقت من أجل تلبيس البشرية هذه المؤامرة، وتم الوصول إلى وضع تم الترحم فيه على العصور الأولى، إن المحاكم الدينية في المسيحية وإغلاق باب الاجتهاد في الإسلام أسفرا عن وضع أشبه بإرهاب شامل على البنية الذهنية للإنسان، ومن جهة أخرى فإن مؤامرات القصور قد شهدت العصر الأكثر تطوراً لها، إن الإيمان في المعبد ينتهي بالمؤامرة في القصر، وهما يخلقان بعضهما البعض.

إن تحاملي على قضية المرأة يتجاوز كونها قضية كرامة شخصية بالنسبة لي، وفي الموقع المضاد للحاجات الجنسية البسيطة، فلقاء الجنسين يتجاوز الغرائز الجنسية الحيوانية مطلقاً، إلى صداقة عظيمة ليصل إلى مستوى الرفاقية، واعتبرتُ ذلك شهامة حقيقية، وأدركت أن التردد في الوصول إلى المرأة هو الخوف بذاته، فقد تم خلق رجل يهيمن عليه الخوف، وكان يلعب هذه اللعبة تحت أسم الناموس، فحتى لو قال “إنني أحب” كان يسعى إلى الطعن في المرة الثانية، وكان ظلمه رهيباً، حيث قام بسحق المرأة جنسياً وأبادها فيزيائياً، كما أباد ذكاءها ومشاعرها وفرض عليها الانحطاط بعمق لا يمكن تصديقه، وأكبر رجل يدعي الاشتراكية أو حتى المرأة لم يستطيعا إنقاذ أنفسهما من تمثيل هذا الواقع واللعبة بكل بساطة، وأنا تحاملت على هذه القضية بكل قوة استمدتها من تعطشي إلى الحرية، وأجريت تحليلات كثيرة وحوارات كثيرة وأحاديث عميقة ليس كمالك أو صاحب لهن بل كفنان تناول الجانب الجمالي الفيزيائي، وإمكانية أن يتحولن إلى ذكاء متقد، وتدخلت بكل شيء يخصهن لأجل إيصالهن إلى تذوق كل ما يمكن تذوقهن بلغة لسانهن ومشاعرهن، فنشأن نشوءاً عظيماً، ولكنهن لازلن حديثات العهد، والحياة الملعونة والأسياد الرجال لازالوا إلى جانبهن، بينما كن يفتقرن إلى الخبرة والمهارة لأجل خوض حرب جنسية مع الرجال وفي مواجهتهم، ولهذا الألم ألقين بأنفسهم إلى الهاوية، ومزقن أنفسهن بالقنابل، وفعلن كل ما يمكن ببطولة كبيرة، ولكنهن كن وحيدات، فالرجولة التي كانت في مواجهتهن لم تكن ترغب في التفكير في المساواة والصداقة العظيمة والرفاقية بدلاً من مواقفهم الخشنة، بينما كنّ يذهبن ويذبلن كالأزهار.

بينما أنا فقد شعرت بالاحترام والمحبة إلى درجة الإيمان بثقافة الإلهة، ومهما حاولوا الانتقاص من قيمة وأهمية حربي التي تهم المرأة، إلا أنني واثق من أنني أعطيتها حقها، فكيف بأحدهم يخون أكبر المهام المقدسة لأجل المرأة، ويقوم بإنكار ذلك في الوقت نفسه، ثم لا يقوم بمهامه نحو الرفاقية الأصيلة مع المرأة، وقد حاولت جاهداً أن اظهر لكل الأوساط وفي مقدمتها PKK بأن حرب المرأة أمر لا يمكن الاستهانة به، أو الإقلال من شأن جوانبه، ويجب الاعتراف بالأمور الصحيحة وبقوة العشق بمقدار ما كان يعترف به الرجل الإله الخشن والأكثر كذباً، ووجوب التعرف على عالم الربات، وإبداء الاحترام والتقدير والمحبة اللازمة نحو هذا العالم من الصميم، وحاولت الالتزام بمنتهى الجدية والمبدئية في هذا الموضوع، كما حاولت فرض ذلك على الآخرين.

على الرغم من ظهور الخونة والعملاء يستحيل نسيان أولئك الذين انضموا إلى هذه الجهود من أعماقهم، وخاصة أولئك الشهيدات اللواتي هن عزيزات مقدسات لهذه الأرض ولهذا الشعب، وسيبقين في الذاكرة دائماً، إنهن إلهات حقيقيات شهمات، أما الباقيات فقد احترمتُ وحدتهن وتحولهن الحزبي، وحاولت أن أكون عوناً لهن، وطالبت أن تكون المرأة ضمانة للحياة الحرة الجميلة دائماً، واستمررت في جهودي الكبيرة حتى النهاية إيماناً مني بأنه سيتم الوصول إلى القدرة على فرض الاستقامة على الرجل الرجعي الكذّاب الخشن يوماً ما، وأنهن سيصلن إلى مستوى المرأة القوية مطلقاً، فالإنسان لا يكبر فقط مع المرأة التي يملكها، ولا يصبح رجلاً، وأنا لم أرغب في أن أنشأ كذلك ولا أن أصبح رجلاً كذلك، بل وجدتُ في ذلك أمراً يقلل من شأن الكرامة، وأنا أعلم بأنني وضعت نفسي في موقع صعب، كما أعلم أنني جعلتهم كتلة من النيران، كما أعلم بالذين يعادونني كثيراً من بينهم، وأعلم الذين يمارسون ظلماً كبيراً، كما أعلم بأنني جعلتهم وحيدين، ولكن الحقيقة التي أرغب في أن يعلموها، هو وجوب وصولهن إلى القوة الكبيرة التي تستطيع تحديد مصير الحرب والسلام، وبدون ذلك فإن الحياة حرام عليهن، وبدون ذلك لن يكون هناك عشق، ولا يمكن تحقيق أي حلم، والوحدة والانفصال هما الدين والفاتورة التي يجب تسديدها على هذا الطريق لأجل كسب الهيمنة وتحقيق تلك العظمة.

أود الإعراب عن إيماني الكبير وأملي العظيم في أن تستعيد المرأة ذكاءها وجمالها من الجديد في أرض الربة الأم وموطن عشق الآلهة، بعد أن فقدتها على مدى آلاف السنين، انطلاقاً من قوة المساواة والأنشطة والحرب التي تتخذ من المرأة مركزاً لها، وستكون قادرة على فرض معاهدة اجتماعية جديدة بعد أن تصل إلى قوتها الذاتية، فمثلما الاحترام والمحبة في الرفاقية مع المرأة يشكل طموحي الكبير، فإنني سأمضي في مسعاي وجهودي كعامل لأجل العشق حتى الرمق الأخير بكل تأكيد، وإنني سأبقى كادراً نسائياً طالما كانت هناك حاجة إليّ، وما تتطلب الرفاقية مع المرأة وسأبقى كذلك بدون أدنى شك.

ومن المذهل التذكير بغضب وألم، قيام الربة إنانة “أول ربة سومرية والتي جاءت ستار ربة الإلهة، ثم عشتار” بمقابلة الرب أنكي الخبيث والمخادع، وطلبها منه القيم”مي”التي خلقت الحضارة، ومن ثم أخذها لهذه القيم مقابل تلويث نفسها التي أعطتها لآردو، و دخولها إلى أوروك في أجواء النصر، والآلهة الماكرين قد سرقوا دائماً وباعوا وخسّروا المرأة تماماً، وكلما خسرت المرأة بدأً الفقر الكبير يجري في المجتمع، وكأنه قدر مكتوب، و قاموا فيما بعد باستعباد الإنسان، وحولوا جميع أشكال الإكراه والكذب والاستغلال إلى حق مقدس. وعرف الذين جاؤوا فيما بعد كيفية تطوير هذين العملين كأجمل فن في الحياة، وقتلوا بشكل مخيف وطوروا وسائل موت مذهلة، وحولوا الإله و الربة اللذين كانا جنباً إلى جنب الإنسان إلى قابضي أرواح، ومنتقمين متوحشين. وحولوا حياة الجنة على الأرض إلى جهنم، وهكذا أصبح الشرق الأوسط المعلون دوله جرداء.

من المواضيع التي تزايدت أهميتها في تطوير الديمقراطية المعاصرة موضوع حقوق الإنسان وحرية المرأة، فإذا اعتبرنا أنهما ناجمان من النظام الرأسمالي نكون مخطئين، بل العكس هو الصحيح، لأن هذين الموضوعين تطوراً وتصاعداً في مرحلة تجاوز الحضارة الرأسمالية، وأثناء ظهور قصور الحياة الرأسمالية ونظامها التقليدي. إن حقوق الإنسان وحرية المرأة موضوعان أساسيان من التكوين الديمقراطي العام للمجتمع وتزداد فرصة تطورهما بتجاوز إطار الحضارة التقليدية، وهما الموضوعان اللذان سيحددان المرحلة نحو تطور الحضارة الجديدة، ولأن كلا الموضوعين ليسا من نتاج المجتمع الرأسمالي فهما يحملان صفة التجاوب لمعايير الديمقراطية المعاصرة، والديمقراطية المعاصرة تعتبر حقوق الإنسان وحرية المرأة جزءً منها وسيلعبان دوراً بارزاً في تحديد مصير الارتقاء الحضاري الجديد، وحقوق الإنسان وحرية المرأة الموضوعان اللذان جرى شطبهما من سجل المجتمع الطبقي على مدى التاريخ، وهما مرشحان لأن يحققا تطوراً كبيراً لأنهما مفتوحان على التحديث، ففي الوقت الذي تحدد حقوق الإنسان الإطار القانوني للحضارة الجديدة تشكل المرأة الأرضية الاجتماعية لهذه الحضارة، والتطورات التي تتحقق في هذين الموضوعين هي التي تحدد عمق وتطور الديمقراطية المعاصرة.

ستلعب حرية المرأة دور المساواة والتوازن في تشكل الحضارة الجديدة، وستأخذ المرأة التي مسحت من التاريخ منذ تفسخ المجتمع النيوليتي مكانها ضمن شروط الحرية والمساواة، وإعادة الاحترام لها، ولأجل ذلك سيتم القيام بكافة الأعمال النظرية والبرمجية والتنظيمية والتطبيقية، إن قضية المرأة عبارة عن موضوع واقعي مجسد، ويمكن تحليله أكثر من طبقة البروليتاريا والأمم المسحوقة اللتان تم الحديث عنهما كثيراً في زمن سابق، ويمكن القول: بأنه يتم تحديد التحول الجذري في المجتمع من خلال التحول الذي ستحققه المرأة، فكلما تمتعت المرأة بالمساواة والحرية تكون كافة شرائح المجتمع حرة وتعيش في جو من المساواة وعند نيل المرأة لحقوقها الديمقراطية، يمكنها أن تلعب دوراً بارزاً في استمرارية وديمومة الديمقراطية والعلمانية، يبين هذا التعراستيعاب المرأة المتحررة، يعني استيعاب التاريخ والمجتمع والحياة من جديد. لذا، فإخراج المرأة من كونها مادة سلعية مغالى فيها ضمن الرأسمالية والرجعية الإقطاعية الدينية، هو أحد أهم الوظائف. هذا إلى جانب المهمة الأساسية في التخلص من أخلاق وزواج الرجل الحاكم المشحون بأحكام القيم المهيمنة للإقطاعية والرأسمالية.

فالمرأة ملزمة بتأدية دورها مع حقيقة حزبها والتحولات إلى ثلاثية الإلهة ـ الملاك ـ أفروديت ” ذات الألفاظ المثيولوجية، والتي ذكرتها في تقييماتي الأخيرة، إنما تفيد في فحواها بالتمرد على ثقافة الرجولة المهيمنة على مر خمس ألاف سنة. ذلك أن تلك الثقافة أسقطت المرأة في وضعية مروعة. فالزواج المتضمن للملكية هو احد أفظع المخاطر. وبدون تحقيق حرية المرأة، لا يمكننا تطوير أي جانب من جوانب ساحة الحياة الحرة ذات المعاني السامية والقيمة، والتي تستحق العيش فيها. يتطلب الأمر صراع المرأة العظيم، الذي لا يمكن أن تتطور الوطنية والمساواة بدونه. والعشق ـ على عكس ما يظن ـ يتطلب نظرية سوسيولوجية بممارسته العملية التامة. ولا يمكن إنزاله إلى مستوى عواطف بسيطة لأي فردين. فالعشق يستلزم البسالة الجليلة، والحب الكبير، والنجاح الفائق. من لا نجاح له، لا عشق له. ووجه العشق متجها دائماً نحو حرب الحرية المظفرة.بالإمكان تعريف كدح العشق الذي هرعت وراءه على هذا النحو.

كلنا نعرف بالطبع أن الأفراد يتكونون من جنسين اثنين، ولكننا في ساحة الحرب. ولأن ” الفاتحين ” سلبوا كل ما هو لنا، فلا توجد نساء لدينا يمكننا القول بأنهن “نساؤنا”. والنساء الموجودات هن نساء “أشياء ” سلعية ذوات نوعية بخسة. وإقامة مناضلي الحرية علاقة مع هؤلاء النساء أمر يناقض جوهر الموضوع. أما علاقة المرأة الطامحة إلى الحرية والمناضلة لأجلها مع رجال من هذا النوع فهو أكثر تضادً. المهم أصلاً هو مواصلة الذات عبر الأفكار والآراء المطروحة، منذ عهد أفلاطون. في حين إن مواصلة الوجود الجسدي فحسب تعتمد على الغرائز الجنسية الفطرية. وأنا أدرك ماهية الغرائز الجنسية الفطرية فهي الساحة الوحيدة المتروكة لشعبنا لمواصلة ذاته. وهي الآن باتت البلاء الأشد على رأسه.

الظاهرة المعاشة لدينا هي ظاهرة تاريخية بالأهم. وما اقترحته من مصطلح “تمثيل الإلهة ـ الملاك ـ أفروديت ” لأجل مجموعة من رفيقاتنا، إنما هو بغرض محاربة الثقافة الاستعبادية الفظيعة، التي يطبقها الشرق الأوسط على المرأة. ثمة حاجة ماسة لنساء أصيلات من ذلك النوع في هذه المرحلة من التاريخ. مع أن المئات من الرفيقات برهن هذه الحقيقة، باستشهادهن بمواقف بطولية باسلة جداً. وذكراهن تتضمن معاني جد عظيمة. وأنا على قناعة بوجود الكثير من نسائنا الباسلات، الآن أيضاً. وشخصياتهن المفعمة بالجسارة والجرأة والعدالة والعشق العظيم، تبرز حديثاً إلى الميدان.

إن التطور الهام الآخر الذي يعتبر من أولى التطورات في المجتمع السومري، هو المستوى الذي وصل إليه فرق الجنس. وكانت المرأة هي القوة الإنتاجية الحاكمة في العصر النيوليثي الذي كان السومريون يقفون إلى جانبه. إن الزراعة واستئناس الحيوانات هي من نتاج المرأة. وتحمل الثورة القروية أي نظام العيش المستقر بصمات المرأة كونها تتناسب مع طبيعتها. وتعتبر صناعة الفخار والنسيج وطحن الحبوب من الأعمال النسوية، وتتجمع الأسرة حول المرأة، وكان النسب يحدد حسب المرأة. وكان النظام الأمومي هو الحاكم ويجد تعبيره الإيديولوجي في المعتقدات الدينية المعتمدة على الآلهة التي تتمثل بالنجوم والقمر. إن الفروقات بين الجنسين والتي تتطور بشكل متوازن مع الفروقات الطبقية الموجودة في المجتمع السومري، تجد تعبيرها في المثيولوجيا بشكل مكثف. وهذه الانعكاسات بين الفروقات الموقعية تصبح مذهلة هنا.

لقد بدأ موقع الإلهة المسيطرة يضعف؛ إذ تلقت ضربة مميتة في مرحلة بابل بشخصية “تيامات”tiamat . وكـان الابـن الأصـغر “مردوخ” marduk يمثل ثقافة الذكور التي كانت تتجه بسرعة إلى الإله الواحد. وسيعتبرها النبي إبراهيم أساساً فيما بعد وسيلعب دور جد الأنبياء لتوحيد الإله. والمرأة التي تمتعت في المعابد بتأثير الكهنة بشكل يوازي تأثير الرجال. انتقلت إلى الدرجة الثانية في البيت. ويعتبر أول بيت دعارة تحت اسم “مثقديم” musakatdim من اختراع السومريين. لم يتراجع موقع المرأة إلى الدرجة التي انحدر إليها في الموجة الثانية للحضارة. ونرى في الميثولوجيا السومرية موقعاً يقارب الوفاق.

ظهور بنية ديالكتيكية بدائية. إن تضاد السماء هو الأرض، وتمثلاًن المبدأ الأنثوي والذكوري في نفس الوقت. ويطلق على السماء أسم ” أن EN ، وعلى الأرض “كي” ki. إن ” أنكي” Enki هو نمط الاتحاد الأنثوي والذكوري، ويدرك بأنه في اتفاق مع الإلهة، وهو بموقع الجد لمفهوم الأب، ويتزوج من جميع الإلهات، ويمهد السبيل لولادات ذات خصائص مميزة، وتلقت الإلهة الأم “تيامات” ضربة قاصمة ـ ملحمة خلق بابل (( أنوما أليش )) في هذا الموضوع والتي تملك خاصية تعليمية ـ من قبل المولود الأخير إله بابل (( مردوخ ))، ويتم إبعادها عن مجلس الآلهة، وهكذا تراجعت كثيراً عبادة الإلهة والمقولة الميثولوجية التي تعبر عنها منذ الألفية الثانية قبل الميلاد. ويرتبط هذا التطور عن قرب بانحدار مكانة المرأة من موقعها الاجتماعي، ويتوطد مبدأ السيادة الذكورية هيمنته في بنية المجتمع والدولة. لقد شهد المجتمع تحولاً إيديولوجياً وأخلاقياً كبيراً بعد اكتساب الميثولوجيا نمط الدين الإلهي الذكوري الموحد ابتداء من مؤسسة الدولة العليا حتى الوحدات الدنيا من السلطة الملكية، وكان الملك هو الإله نفسه أو ممثلاً مباشراً للإله، وتحولت علاقة العبيد بالسيد إلى علاقة العبيد بالإله. وأسفر تحول الفكر الميثولوجي إلى حالة الإيمان أي ” الدين ” والقانون أي “الحقوق ” الأساسية، عن تطور تاريخي واجتماعي والذي سيخلق نتائج هامة، إن المعابد السومرية وأدوبا Edduba أي الأكاديميات الثقافية هي من أكثر المؤسسات التي حازت على التفكير من أجل مواصلة وتطوير سلطة الملوك ـ الكهنة.

كان الدين بوضعه اللاهوتي من جهة والمشاريع التي كانت على شكل ملاحم أدبية من جهة أخرى، هي المهمات الأساسية لمفكري وأدباء الكهنة في تكوين الميثولوجيا، وكانت مدينة نيبور المقدسة “Nippur“ التي أطلق عليها اسم بابل، مركزاً للثقافة والدين والآداب لتلك الأعمال، واستمر لآلاف السنين .

لقد زالت تماماً ثقافة المرأة والآلهة بسبب طابع النظام “نظام الرق المهيمن” من جهة، وبنية القبيلة البطريركية من جهة أخرى. وقد تأكدت هذه النقطة خاصة بعد إزالة السومريين من الساحة السياسية من قبل العموريين، وولادة مرحلة الإمبراطورية البابلية، وإن أسطورة الخلق البابلية “انوما إليش”، تعد التعبير الصارخ عن ذلك، واعتباراً من النبي إبراهيم، كان كل الأنبياء ذكوراً ولا وجود للمرأة في أنظمتهم، وقد قربت مكانة المرأة من مكانة الشيطان. إن تأثير كل من بابل على النبي إبراهيم ومصر على النبي موسى، له دوراً مؤثراً في موضوع إبعاد المرأة، فقد بدأت المرأة تفقد مكانتها باستمرار بعد أعوام 2000 ق.م. ضمن التطور الاجتماعي وبالأحرى ضمن المرحلة الحضارية، فلقد بدأ التمييز بين الجنسين متزامناً مع الفرز الطبقي العام. تحولت الحالة البريئة للمسيحية في البداية إلى عالم لاهوتي تحت تأثير الفلسفة الإغريقية ولاسيما فلسفة أفلاطون، وسيؤدي مفهوم الثالوث الإلهي إلى عدة تفسيرات وتحليلات نجد صداها في الميثولوجيا السومرية. إن مشاهدة الأب ـ الرب والأم الربة ـ والابن ـ الرب الأقوى في ميثولوجيا أنكي ماردوخ بابل هي مسألة أساسية ذات صلة، كما يكمن وراء ذلك ثالوث أقدم؛ الجد والحفيد الذي يمثل الإرث والمرحلة والابن.

لقد طور هيغل تفسيراً فلسفياً معاصراً، أعتمد على مبدأٍ الطرح والطرح المضاد ـ التركيبة يعبر عن القاعدة الديالكتيكية وللقانون الأساسي لنشوء الكون. وفي الحقيقة فإن هذا القانون يجري حكمه في جميع تكوينات الطبيعة، أما الثنائية الموجودة لدى زرادشت فهي الشكل الأدبي لهذه النظرة، ففي زرادشت لم تصل ثنائية الطرح والطرح المضاد إلى تركيبة جديدة، وسيتم تطوير ذلك في الفلسفة الإغريقية عن طريق هرقليطس، وستصل إلى معناها الأكثر عصرية مع هيغل.

إن الدور الذي منح لمريم الأم في المسيحية فيما بعد ملفت للنظر، لقد ابتعدت مريم كثيراً عن الأم ـ الربة إنانة وستار. وقد لعب تلقي الربة ـ الأم تيامات الضربة القاتلة في عهد ماردوخ في الملحمة البابلية، وسجنها في البيت في عهد موسى حيث زالت آثارها بعد ذلك من التاريخ تماماً، دوراً مهماً.

ترتبط هذه المرحلة لدرجة كبيرة بتناقض القواعد الصلبة للمجتمع الذكري المعتمد على الرجل الذي كان في الإرث السامي، مع القواعد الأمومة لثقافة عشتار التي كانت ربة الزراعة والجبل في العصر النيوليثي “بنفس مرتبة إنانة وستار”، وتم تجاوز البقايا الأخيرة لثقل الربة بالثقافة السومرية في المرحلة البابلية، وبعد هذه المرحلة فان الربة القديمة أصبحت المرأة العفيفة والمطيعة في بيتها، فناهيك عن مساواتها مع الآلهة أصبحت لا تستطيع إسماع صوتها ولا حتى الكشف عن وجهها. لفت بالعباءة وأصبحت سجينة وغدت الحرم المطلق للرجل القوي، لقد طوّر موسى ذلك في إرث إبراهيم أكثر، وعمق عبودية المرأة في الجزيرة العربية يرتبط بهذا التطور التاريخي.

إن مريم أم عيسى هي ربة في أقدم نمط، للإرث..؟. لكن فقدان المرأة لموقعها بشكل مستمر وصل في مرحلة ولادة عيسى إلى أن تكون وسيلة للإنجاب فقط، وهكذا كانت الأوضاع عموماً، إن تاريخ المرأة ما بين 2000 ق.م ـ 2000م. هو تاريخ لأدنى طبقة اجتماعية وتحول لصالح الرجل إلى سلطة سياسية باستخدام الاستغلال والعنف والتحايل، وأصبحت المرأة تحت حكم العبودية بسبب الخاصية الجنسية، إلى جانب عبودية الرجل، أي أنها تعرضت لعبودية مضاعفة، فبعد أن كانت الربة الأم تيامات تحارب نداً للند في مرحلة بابل، حتى أنه في مرحلة موسى عاش اشتباكاً شديداً مع قريبته ماريام التي لم تخضع لموسى بسهولة.

أما بالنسبة لمريم أم عيسى فلا يوجد لها أية فاعلية. لقد نفخ الرب فيها، وهي أنجبت، وهذا يعني السيادة المطلقة للرجل، فالنفخ يرمز إلى هيمنة الذكر والى أن دور المرأة لم يتجاوز تنشئة الطفل في أحضانها. أما المسألة الأخرى الهامة فهي انه ما أطلق على النفخ المذكور اسم الروح القدس من أجل تحريف القوة الإلهية التي يجب أن تتمثل بالمرأة، لقد سرق ذلك النفخ من قبل المرأة بشخص مريم. ونرى نفس الأثر عند السومريين لدى الأم الربة، وفي الحقيقة توجد أهمية إيديولوجية كبيرة لهذا الموقع، وهذه الأهمية ذات دور وتحديداً في فقدان المرأة لفعاليتها التي ستزول بشكل كبير في المرحلة الإقطاعية. ومنذ ذلك اليوم بقيت المريمات ممسوخات يبكين أطفالهن في صمت مرتبطات بأزواجهن وكأنهن أسيرات إلى الأبد. وليس لهذا الوضع أية علاقة بطبيعة المرأة إطلاقاً، مثلما لها علاقة بالهيمنة السياسية الكبيرة للرجل. فإذا كانت الأمهات الربات حاكمات مهيمنات في إحدى المراحل فإن هيمنة الآلهة الرجال أصبحت مسيطرة في الدولة الطبقية في التاريخ، إن هذا الواقع الذي ترك في ظلمات التاريخ وتمت تغطيته بمفهوم الشرف والكرامة بطريقة مزدوجة من قبل الرجل.

المرأة هي موضوع استغلال وضغط شديدين كأدنى وأقدم طبقة، لذا فإن قضية المرأة التي يتم فتح الطريق أمامها مجدداً، هي موضوع شامل لا يمكن استيعابه في محيط المجتمع الرأسمالي. فحرية المرأة التي تعتبر مقياساً عاماً لجميع الحريات، لازلت في طور الاستعداد لخطو خطواتها الأولى، فالانتقال من عصر المرأة إلى عصر الرجل ألحق خسارة كبيرة بالمرأة، وخلال هذا التاريخ الطبقي الممتد لخمسة آلاف سنة ألحقت بالمرأة أكبر الخسائر، وتعرضت للضغوطات من جوانب عدة واحتقار وتمييز جنسي ولامساواة في كل المجالات، لكنه ومن جديد تبذل المساعي لانتشالها من تحت الرماد حيث كانت على وشك الاحتراق، ففي الوقت الذي يجب أن يتم الاعتراف فيه بجميع الحقوق الفردية للمرأة وتناولها في الصدارة دون قيد أو شرط، فإن وضع ذلك في آخر جدول الأعمال وبشكل محدود، له علاقة بالبعد التاريخي العميق للظلم، والقضية هامة إلى درجة يمكن أن تكون فرعاً من علم الاجتماع، وتتطلب جهوداً طويلة الأمد في النضال القانوني والسياسي الديمقراطي المنظم والمخطط والمبرمج والشامل، وتكتسب أهمية مصيرية كقضية أكثر أصالة من حيث النمط والجوهر مقارنة بالنضال الوطني والطبقي.

في يومنا هذا لم يتم سوى وضع اسم المشكلة دون تحديد مضمونها تماماً، ومازال برنامجها واستراتيجيتها ونمط تنظيمها وعملياتها، بعيد عن أن يكون هذا الموضوع موجوداً بشكل كامل على جدول الأعمال، وكما بدأ التاريخ، كتاريخ الكذب والحرب والاستغلال على أساس عبودية جنس المرأة في حضارة المجتمع الطبقي، سيتم خلقه وكتابته من جديد كتاريخ الاستقامة والسلام والمساواة والحرية بعد تحقيق النجاح في نضال المرأة التحرري، وتبين جميع الدلائل أن حرية المرأة ستلعب دوراً مصيرياً في فجر الحضارة الجديدة، ويمكن عيش عصر المرأة الحرة في أعلى مستوى مرة أخرى.

ستلعب حرية المرأة الدور الهام في المساواة والتوازن لقيام الحضارة الجديدة. وستأخذ المرأة التي همشت في التاريخ منذ تفسخ المجتمع النيوليثي، موقعها ضمن شروط الحرية والمساواة، وإعادة الاحترام لها، ولأجل ذلك سيتم إنجاز كافة الأعمال النظرية والبرامجية والتنظيمية والتطبيقية. إن قضية المرأة عبارة عن موضوع مجسد، ويمكن تحليلها أكثر من مصطلحي طبقة البروليتاريا والأمم المسحوقة، اللتان تم الحديث عنهما بكثير في زمن ما. ويمكن القول: بأنه سيتم تحديد التحول الجذري في المجتمع من خلال التحول الذي ستحققه المرأة. كما إن مساواة وحرية المجتمع بكافة فئاته وشرائحه تتناسب طرداُ مع مساواة وحرية المرأة. وسيلعب التحول الديمقراطي للمرأة دوراً بارزاً في ترسيخ ديمومة الديمقراطية والعلمانية. يبين هذا التعريف البرنامجي المختصر المتعلق بظاهرة المرأة، أن الحركات الاجتماعية الجديدة ستعيش وضعاً مميزاً بإضفاء لون المرأة عليها.

إن تحول دمقرطة المجتمع إلى أطروحة مضادة في الشرق الأوسط سيتحقق بفضل المرأة والشبيبة على الأغلب، حيث تعتبر يقظة المرأة واتخاذها مكانة في الساحة التاريخية كقوة طليعية للمجتمع، بمثابة الأطروحة المضادة، فعالم المرأة ووعيها ووجدانها وحبها وحمايتها لكل ذلك مرشح لخلق قيم حضارية مميزة، كما إن تطور الحضارة تحت سيادة الرجل كمطلب لطابعه الطبقي جعلها بموقع الأطروحة المضادة القوية بهذا الاتجاه، إن تجاوز التمايزات الطبقية للمجتمع والقضاء على فوقية الرجل هي بمثابة تركيبة أكثر من كونها أطروحة مضادة، لذلك يحمل الموقع الطليعي للمرأة في تحول مجتمع الشرق الأوسط إلى مجتمع ديمقراطي، خصائص تاريخية لموقع الأطروحة المضادة (وهي ناتجة من شرق اوسطيتها) في العالم والتركيبة أيضاً.

تاريخ شعوب الشرق الأوسط يشبه تاريخ المرأة نوعاً ما، وكما قلنا سابقاً فإن المرأة قد سحقت وأخرجت عن المسار منذ العصر النيوليثي. في النتيجة فإن تحقيق عبودية الإنسان وجنس المرأة في معابد الكهنة وقصور الملوك في المجتمع السومري قد اكتسب نصراً كاختراع أساسي لتاريخ الحضارة كنقطة بداية، وسيأتي دور استخدام جنس المرأة كإحدى أدوات السقوط الأساسية في مواصلة النظام، وكأنه لم يكتفِ بخفض شأنها، بل إسقاطها، وستلعب الفتيات اللواتي تم اختيارهن للمعابد وسيجري تدريبهن، للدور الأكثر تأثيراً في اصطياد رجال النظام، وبذلك يدخل المجتمع تحت سلطة المعابد، ويتم إسقاطه من قبل اللواتي تم إسقاطهن، وهكذا تم تنظيم أرذل مؤامرة، ولأول مرة يقدم تحويل الجنسين إلى كلاب للمعبد قوة عظيمة للنظام، وانتقل هذا النظام من المعابد إلى أول بيوت الدعارة، ونرى أن أول بيت دعارة في التاريخ تم إنشاؤه في مدينة “نبور” المشهورة كمريف البرنامجي المختصر المتعلق بظاهرة المرأة، أن الحركات الاجتماعية الجديدة ستعيش وضعاً مميزاً بإضافة طابع المرأة إليها.